الطبراني
28
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
تقديره فمحاها وأعادها لعليّ فكتب ، أي أمره بالكتابة ، وهو كثير كقوله : كتب إلى قيصر ، وكتب إلى كسرى ، فلا يلزم أنه هو الذي يكتب ، بل يملي على كاتبه ، فعدّ إملاؤه كتابة . الثاني : جاء في نصّ الحديث سؤال الرسول سيدنا محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم لكاتبه أن يريه مكانها ، فقال : [ أرني مكانها ] فلو كان يعرف شكل الحرف أو الكتابة أو القراءة لما احتاج السؤال ولو كانت من ضروب المعجزة والأمر الخارق للعادة ما احتاج السؤال أيضا . لهذا لا يصحّ مثل هذا الفهم ، فهو بعيد جدا . الثالث : أنه جاء في الحديث الصحيح أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم احتاج تعلّم لغة قوم أعداء ، فطلب من كتّابه فعل ذلك وكفايته أمرهم ، عن زيد بن ثابت قال : أمرني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن أتعلم له كتابة يهود ، قال : [ إنّي واللّه لا آمن يهود على كتاب ] ، قال زيد : فما مرّ بي نصف شهر حتى تعلّمته له . قال : فلمّا تعلّمته كان إذا كتب إلى يهود كتبت إليهم ، وإذا كتبوا إليه قرأت له كتابهم ] « 1 » . الرابع : إن الكتابة من الأمور الإدارية والتراتيب الفنية التي لا يحتاجها الأمير لنفسه ، وله أن يوكّل من ينوب بها عنه ويقرّ شأنها وينفذه بعد أن يطلع عليه ؛ فهي تراتيب إدارية ومدنية . وليس مطلب المعجزة فيها بمكان متميّز بل غير مطلوب ، لهذا من هذا الوجه يستبعد التأويل بأن الرسول سيدنا محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم كان يعرف الكتابة أو شكل الحروف . قال القرطبي : قلت : وقال بعض المتأخّرين من قال هي آية خارقة ، فيقال له : كانت تكون آية لا تنكر لولا أنّها مناقضة لآية أخرى وهي كونه أميّا لا يكتب ، وبكونه أميّا في أمّة أمّيّة قامت الحجّة ؛ وأفحم الجاحدون ، وانحسمت الشبهة فكيف يطلق اللّه يده فيكتب وتكون آية . وإنما الآية ألّا يكتب ، والمعجزات يستحيل أن يدفع
--> ( 1 ) الجامع الصحيح للترمذي : كتاب الاستئذان ، باب ما جاء في علم السريانية : الحديث ( 2715 ) وقال : هذا حديث حسن صحيح .